تركستان

أهلا
تركستان

هذا المنتدى خاص بالتركستانيين في السعودية أو مايعرف ب البخارية و عام لجميع من هم من تركستان و غيرها من البلدان و الدول من عالمنا التركي الكبير.


    الفكر المنغلق يحمل نهايته في داخله

    شاطر

    Tengri

    المساهمات : 182
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010

    الفكر المنغلق يحمل نهايته في داخله

    مُساهمة  Tengri في الثلاثاء مارس 09, 2010 11:04 pm

    الفكر المنغلق يحمل نهايته في داخله

    تناقل الناس طرفة مفادها أن صديقين جلسا يتحدثان بعد صلاة العصر عن أحوال الناس. فقال الأول منزعجا ومظهرا الحزن..لا حول ولا قوّة إلا بالله فقط سدس العالم مسلمون والبقية كفرة ذاهبون للجحيم. فقال الآخر: مظهرا ذات الانفعال.. حتى من نعتبرهم مسلمين لا يعرفون الإسلام على حقيقته إلا عصبة الإسلام العرب أما البقية فقد انتشرت فيهم البدع والخرافات وليسوا مسلمين إلا بالاسم. استدرك عليه الأول بسرعة.. حتى العرب عصبة الإسلام وأهله لم يسلموا من الشركيات والبدع ولم يبق إلا أهل هذه الجزيرة منبت الدين وأصل الحق. وبعد تأمل سريع قال الثاني: لقد تأملت أهل هذه الجزيرة فوجدت أن أغلب أهلها قد تأثروا بالغرب ودخلوا معه في جحره وذهبت منهم حميّة الدين وأصالته الحقيقية. لم يبق متمسكا بها إلا أهل بلدتنا هذه. قال الأول: حتى نحن لم نسلم يا صديقي لقد تأثرّ شبابنا بباقي العالم وساروا مسارهم ولم يبق من البقية الباقية إلا جماعة هذا المسجد ثبتنا الله وإياهم. ضحك الثاني ساخرا.. جماعة المسجد؟ انظر لنا صلاة الفجر لا يحضر قبل التكبيرة إلا أنا وأنت. البقية غلبها إبليس ونزع عنها رداء الدين الحقيقي.عاد الأول متسائلا بحياء.. ولكنك اليوم أيضا تأخرت عن تكبيرة الإحرام.. وفارقه مرددا لا حول ولا قوة إلا بالله لم يبق على حقيقة هذا الدين إلا أنا!
    هذه الطرفة العميقة وصلت إلى لب وطبيعة التفكير الأحادي الإقصائي. الفكر المنغلق على ذاته، فالانغلاق على الذات يعمي هذه الذات عن رؤية الآخر، وباعتبار أنه غير مرئي وباعتبار أن الإنسان عدو ما يجهل فإنه لا يفهم عن الآخر سوى الظلام وتبعاته من الضلال والخطأ المطبق. يخبرنا التاريخ أن الأيديولوجيات المغلقة أكلت نفسها في النهاية. هذه الأيديولوجيات قامت على فكرة نفي الآخر ولا تجد لها دورا في الحياة إلا بعملية النفي الحاد. تحتاج هذه الأيديولوجيات لآخر تنفيه باستمرار، عملية النفي هذه هي التي تعطيها فعالية في الحياة وبدون هذه الفعالية تموت هذه الأيديولوجيات وتفقد معنى الوجود. الشيوعية في الاتحاد السوفيتي مثال جيد على هذه القاعدة. مع حكومة لينين الثورية كانت الطبقية هي الآخر الذي يجب نفيه لتحقيق الشيوعية، نفي الطبقية لم يتم عبر عملية تطور طبيعية. الأيديولوجيات المغلقة ترفض الحركة الطبيعية وتعمل على تولي التغيير بنفسها عن طريق حرق المراحل، ولذا مارس الحزب والدولة عنفا هائلا من أجل تحقيق الشيوعية. مع ستالين ومع غياب الطبقية بدأ الحزب الشيوعي ينفي نفسه وبدأت مصطلحات الشيوعي الحقيقي والشيوعي المزيف. طبعا الشيوعي الحقيقي هو ستالين وأتباعه وجهاز الأمن السري. البقية وبالتدريج تحولوا إلى مزيفين فتمت تصفية الدولة والحزب وفي النهاية تدمر كل شيء. النازية لها قصة مشابهة. بعد أن نفى النازيون الأعراق الأخرى من الوجود بدؤوا في نفي أنفسهم بالتدريج ولم يبق إلا هتلر وجهاز الأمن السري قبل أن يجهز عليهم الحلفاء. كل هذه التيارات تحمل في أحشائها بذرة موتها. إنها مثل الآلة التي لا تعرف في الحياة دورا ولا مهما إلا القضاء على الآخرين. بعد القضاء عليهم، أو توهم ذلك، تتحول هذه الآلة إلى قتال نفسها لأن دورها سينتهي مباشرة إن لم تفعل، لا حل لها هنا إلا تأجيل هذه النهاية بقتل نفسها بالتدريج. الحالة الأفغانية مثال جيد أيضا، فبعد أن تم التخلص من العدو الأول، السوفيت، انتقلت التصفية للداخل وبدأت الحروب بين أصدقاء الأمس حتى وصلنا إلى طالبان والقاعدة الذين بدؤوا في التصفيات الداخلية بالتدريج. بدأت طالبان في تصفية الطالبانيين المزيفين بالتدريج تحت ذرائع متعددة ووصل الوضع فيها إلى حالة من الاحتقان الداخلي أدى إلى انفجار القاعدة على العالم وعلى نفسها.
    خلف كل هذه النماذج حالة فكرية واحدة هي ذات الحالة التي مثّلها الصديقان في الطرفة في أول المقال. حالة نفي الآخر وحصر الحق والصواب في الذات. هذه الحالة الفكرية من سمات هذا العقل كما يرى المفكر الأمريكي ميلتون روكيش، إنه يفصل فصلا حادا ومطلقا بين معتقداته وبين المعتقدات التي يرفضها. لا يفهم هذا النمط من التفكير وجود مساحات مشتركة أو نسبية قد تجمع بينه وبين من يختلف معهم. لا يحب هذا العقل الألوان الرمادية.. فقط معتقداته بيضاء نقية والأخرى سوداء مشوبة. لو لاحظنا لوجدنا الصديقين في الطرفة فكرا بهذه العقلية فالاختلافات مع الآخر مهما كانت تؤدي إلى نفيه وإقصائه بحدة وكلية. ثانيا يمتاز هذا العقل بعدم التمييز بين الأفكار التي يخالفها فكلها توضع في سلّة واحدة. لو تأملنا حدّة المذاهب الإسلامية تجاه بعضها لوجدنا أنها تفوق في أحيان كثيرة عداءها لمن هم خارج الدائرة. أيضا من سمات هذا التفكير تكاثر المسلمات في دائرته حتى تصبح أقوال رواده وزعمائه مسلمات يؤدي الاختلاف معها إلى الاختلاف مع المبدأ الأول، وهذا ما يؤدي إلى تشققات مستمرة داخل المذاهب الوثوقية وانفصالات عدوانية في صفوفها. أيضا من سمات هذا التفكير عجزه عن التطور وتشبثه بلحظة تاريخية معينة يحاول باستمرار إعادة حركة التاريخ لها. ولذا سرعان ما تتحول التيارات المنغلقة إلى تيارات رجعية ماضوية حتى ولو حملت لافتات طليعية وتقدمية.
    رأس مال هذه التيارات هو النفي، التيارات الدينية تمارس النفي بالتكفير والتيارات الأخرى لها رموزها المختلفة. والمهم هنا أنها لا تتوقف عن النفي والإقصاء حتى تدمر نفسها من الداخل. في بعض الأحيان أطالع فتاوى من بعض أعضاء التيارات الدينية المحلية تجاه رموز دينية من ذات المدرسة فأجد فيها عنفا وإقصاء حادا يثبت النظرية السابقة، حيث تصبح لدى البعض أشرطة طارق السويدان مثلا أشد خطرا من اليهود والنصارى، ويصبح سلمان العودة معول هدم في جدار الإسلام. وقبل أن ننظر إلى الأفراد، لاحظ كيف تتعامل المذاهب الإسلامية مع بعضها.. ألسنا نعلّم أطفالنا أن بعض الفرق الإسلامية هم خلف لمشركي قريش وبئس الخلف والسلف؟!

    عبدالله المطيري

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 20, 2017 6:37 am