تركستان

أهلا
تركستان

هذا المنتدى خاص بالتركستانيين في السعودية أو مايعرف ب البخارية و عام لجميع من هم من تركستان و غيرها من البلدان و الدول من عالمنا التركي الكبير.


    دارين.. سومرية أم فينيقية؟

    شاطر

    Tengri

    المساهمات : 182
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010

    دارين.. سومرية أم فينيقية؟

    مُساهمة  Tengri في الخميس مارس 11, 2010 4:22 am

    دارين.. سومرية أم فينيقية؟



    القطيف، دارين: حبيب محمود، فاضل التركي

    ربما كان قدر "دارين" ألا ينتبه الناس إلى ما تمثله من أهمية استراتيجية في الأزمنة المنسية؛ إلا عن طريق الصدفة. أو ربما ليس لها أن تدخل دائرة من دوائر الضوء إلا فجأة، وعلى نحو خاطف، في حادثة مشابهة للحادثة التي شهدتها البلدة الهادئة هذا الأسبوع، حين اكتشف "مواطن عادي" أن قطعة الأرض التي شرع في بناء مسكنه فيها إنما هي كنز أثري قد لا يقدّر بثمن..!

    أعمال عادية..!
    كانت أعمال حفر "عادية" كأي حفر يقوم به مقاول إنشاءات لمسكن "عادي"، لكن ما حدث لم يكن عاديا. إذ خرج من المكان مدفن "قد" يكون أثرا غير عادي من آثار ديلمون القديمة؛ فاتحاً باب التكهنات التي "قد" تحمل مفاجآت من العيار الثمين.
    وفي الوقت الذي تحفظت هيئة السياحة والآثار على الإدلاء بأية معلومات حول الموقع، وتريّث مسؤولها في المنطقة الشرقية عبدالحميد الحشاش عن التصريح بشيء عن "حقيقة" المكتشفات الأولية؛ فإن باحثين في الآثار قالوا بعض ما يمكنهم قوله حول المدفن.
    الحشاش قال لـ"الوطن": إن "الموقع تحت الدراسة، ليس لدينا معلومات دقيقة حاليا، سوف يقوم فريق بحث بإجراءات التنقيب الأولية، ولكل حادث حديث".
    لكن الموقع فجر مفاجأة على أية حال، ومشروع بناء المنزل السكني تمّ تجميده حتى تفرغ الهيئة من استكشاف الموقع واتخاذ القرار المناسب حياله. والحشاش قال: إن "الهيئة ستحاول تسريع الإجراءات للوصول إلى القرار المناسب"، و"قد نعيد الأرض إلى صاحبها لاستكمال مشروعه أو تنزع ملكيتها لصالح الهيئة حسب المتبع".
    أما صاحب الأرض محمد العواد الذي يعمل موظفا في شركة أرامكو فقد قال: إنه اشترى الأرض ضمن برنامج تمويل المساكن الذي تمنحه الشركة لموظفيها، وإنه لم يتوقع أن تكون أرضه مكانا بهذه الأهمية التاريخية.
    ميدانيا، اتخذت الهيئة موقفها الأولي من المكان. أحاطت الأرض بسياج، واستعانت بالجهات الأمنية لتحرس المكان حماية له من العابثين، أو سارقي الآثار. وسرت شائعة بأن شبانا حصلوا على قطع أثرية من الموقع، لكن "الوطن" لم تتأكد من صحة الشائعة. غير أن العمل بدأ البحث عن الحقيقة. والحقائق التي ظهرت حتى يوم أمس الأربعاء هي مزيد من الآثار الصغيرة.
    فريق بحث وتنقيب من فرع هيئة السياحة والآثار في المنطقة موجود. وقد واصل عمله واستخرج أمس جرة قديمة بارتفاع 20 سم.

    صرف صحي.. سومري!
    كلّ هذا التحرك بدأ بصدفة ضمن مشروع عادي. وهذا هو حال دارين "المنسية" أثريا منذ عقود طويلة. وقبل قرابة ثلاثين عاما قادت صدفة مقاولا خدميا عاديا أيضا إلى كشف أثريّ كبير. فحين أخذت الحفارات تشقّ الأرض لمدّ أنابيب الصرف الصحي ضمن مشروع واسع؛ خرجت القطع الفينيقية والسومرية والعملات الأموية من بين "أسنان" الحفارات الضخمة.
    كان الحدث/ الصدفة تنبيها إلى ما تعنيه دارين، وما تحتفظ به دارين، وما تحتاجه دارين من اهتمام أوسع، ليس بما تحت الأرض من احتمالات أثرية واعدة بقوة فحسب، بل بما فوق الأرض أيضا. وهي القصة الدرامية التي لعبت البيروقراطية لعبتها فيها، على الأقلّ من خلال شاهد واحد هو قصر محمد بن عبدالوهاب الفيحاني الذي سقط حجرا حجرا، ومعاملة نزع ملكيته تدور في حلقة مفرغة.
    وحتى يوم أمس الأربعاء لا تزال هيئة السياحة والآثار ومالكو الموقع يتداولون الإجراءات..!

    فينيقية سومرية
    جلال الهارون باحث تاريخي من سكان البلدة أشار إلى أن المدفن يحمل دلالات مرتبطة بالحضارتين الفينيقية والسومرية. وقال: إن طريقة الدفن جماعية وفيها دلائل تبين الطقوس القديمة التي يُدفن بها الإنسان مع مقتنياته لأسباب عقدية، تقول بالعودة إلى حياة ثانية. ويربط الهارون الاكتشاف الأخير باكتشاف سابق قريب من المكان، حيث عثر على سيوف وحلي.
    لكن باحثا آخر هو حسن دعبل يذهب إلى تفصيلات أبعد من احتمالات الصدفة، في "اكتشاف قبور تتناثر هنا وهناك وعلى أطراف جزيرة تنام على كنوزها وثرواتها وأسرارها المنسية".
    ويضيف: "ظلت جزيرة تاروت، أو ما يعرف بجنة دِلـْمُوْن أو مدفنها المائي سرمد النعيم لملوكية وسلالات الحضارات الأولى، كالسومرية والبابلية والآشورية "الكلدانية" وحتى مرور الفينيقيين وإقامتهم".
    ويُرتّب دعبل استنتاجاته على موقع دارين من الحضارات السحيقة التي استوطنت منطقة الخليج، أو هيمنت على حواضره.
    فقد كانت الجزيرة الحالمة ميناء مهما يرادف ميناء العقير، وكلاهما كانا همزتي وصل ربطت الجزيرة العربية بتجارة طريق "البخور" الذي كان يبدأ من الصين بحرا إلى شاطئ المتوسط عبر خليج عدن، وعبر الخليج العربي. وكانت هذه الموانئ ممرا "للبضائع المستوردة من الهند، وهي الثروات التي أسكرت العالم القديم، كالذهب وأحجاره الكريمة والقصدير وخشب الصندل والتوابل والعطور والبخور والحرير".
    ودارين "كانت منفذا بحريا لبلاد بابل وبريا أيضا لتجارة الخزف الفينيقي في فتراتها المتألقة وازدهار تجارتها، إلى عمق الجزيرة العربية". ويمضي الباحث دعبل في استنتاجه إلى "لؤلؤ دلمون المستخرج من مياهها وسرّ جمال البابليات وهن يتجملن به".
    وفي السياق ذاته يربط مراحل الازدهار في دارين التي سبقت ظهور الدولة الإسلامية، ويرى أن الموقع المكتشف ذو صلة بـ "أبرشية دارين أو بيت قطرايا"، لافتا إلى المرحلة المسيحية "وهي الفترة المهمة ـ في رأيه الشخصي ـ لازدهار دارين اقتصاديا ودينيا، في القرن الرابع الميلادي، بعد انفصال الكنيسة الشرقية، وهروب النسطوريين أو أتباع المذهب النسطوري إلى بلاد بابل والفرس والخليج، وهي الفترة الساسانية ونهوضها وسيطرتها على الشرق وبلاد النهرين، وفي تلك الفترة، كانت أبرشيات دلمون أو ما يطلق عليه "بيت قطرايا".
    ويضيف: "قطرايا في المراجع السريانية القديمة، أي كما يطلق الاسم على بلاد البحرين القديمة، من حدود البصرة إلى عمان أو ما يذكر أيضا ويذكره يحيى بن ماسويه في كتابه "الجواهر وصفاتها".
    ويشير دعبل إلى "ما أوردته المصادر عن رسائل الجاثليق أيشو عياب الثالث (649م-659م)، فقد ورد في الرسائل المناطق الكنسية التي تشكل بيت قطرايا ونقشها بالسريانية وهي: درين أو دارين، مسمهيج أو سماهيج، تلون أو تالون، خطا أو خط، وهجر، وهي المنطقة القريبة من قطر، وقد أطلق اسم قطر بصيغته العربية على قطرايا".
    ويسترسل "وهو ما تشير إليه المصادر السريانية "لأسقفية دارين"، حيث كانت دارين ذات أسقفية نسطورية مشهورة في العهد الساساني، وهو ما يورده أو تورده رسائل البطريرك أيشو عياب الأول (584م-585-م) إلى يعقوب أسقف داري، أي دارين. لذا يتردد كثيرا ذكرها كإحدى المناطق النسطورية المهمة في بيت قطرايا".
    ويشير دعبل إلى الوثائق والتواريخ التي تناولت اجتماعات "الأبرشية أو اجتماع المجمع الكنسي"، وأحاديثه عن توزيع ثروات الغوص ومشاكله، أو دفع الضرائب لبيوت العبادة وعائدات الملوك".

    علينا الانتظار
    وعلى جانب آخر يتحفظ الباحث عبدالخالق الجنبي عن إعلان الاستنتاجات التاريخية والأثرية حول الموقع، ويُفضل الانتظار إلى ما بعد اتضاح الرؤية. وقد عرضت عليه "الوطن" صور بعض الجرار التي عُثر عليها، فقال الجنبي: "بمقارنتها بما هو متوفر لدي من صور فخاريات تعود لعصور دلمون والعصر الهلينيستي لم أجد ما يشبهها أو قريب الشبه منها، مما يعني أنها قد لا تكون من تلك العصور، وربما تكون من العصور الإسلامية المبكرة، حيث عثر في المنطقة على جرار فخارية شبيهة بها في جزيرة عكاز الكويتية إلا أن تلك مزججة وهذه الجرة الدارينية غير مزججة".
    لكنه منتبه إلى تدخل المصادفات في الكشوفات الأثرية في المنطقة الشرقية عموما وفي جزيرة تاروت التي تقع دارين ضمنها بشكل خاص.
    ويقول: "في الجزيرة قرابة 10 مواقع مسيّجة في انتظار إخضاعها للبحث والتنقيب، نحن نقدّر تحرك هيئة السياحة والآثار في العامين الأخيرين بالذات، وجهودها الواضحة، لكننا ما زلنا نراها بطيئة، وقد يكون هذا الإيقاع البطيء على حساب ثروات أثرية بالغة الأهمية، خاصة أننا نشاهد آثارا فوق الأرض تتساقط من دون أيّ مشروع إنقاذ".
    ويركز الجنبي على العيون الجوفية، وتحديدا "عين الصدرية" الواقعة غربيّ مدينة القطيف "التي تسقط حجرا حجرا داخل سياجها من دون مبادرة واضحة". ويقول: "هيئة السياحة والآثار بدأت بداية صحيحة، وهي تعمل بجد، ولكن ليس بالمستوى المطلوب".

    إجراءات بطيئة
    المستوى المطلوب الذي أشار إليه الجنبي هو المستوى الذي يضع حدا للأضرار التي تتعرض لها الآثار جراء تباطؤ الإجراءات.
    وفي دارين تحديدا هناك مواقع ثمينة تحت الأرض وفوقها.
    وحين تمتد الإشارة إلى موقع قلعة دارين التي لم يعد باق منها إلا الحجر؛ فإن أهمية تسريع الإجراءات تتأكد. وفي يونيو من العام الماضي دخلت إجراءات نزع ملكية قصر الفيحاني التاريخي عامها السادس والعشرين. ووقتها أكد مدير الآثار في المنطقة الشرقية عبدالحميد الحشاش وجود مفاوضات جادة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه من هذا المعلم الأثري الذي يمثل مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة الشرقية. ولكنه قال أمس الأربعاء: إن الإجراءات لم تنته بعد.
    القصر يمثل ثروة أثرية مهمة، ويعود تأسيسه إلى ما بعد عام 1150هـ حسب المؤرخ علي الدرورة الذي أوضح أن "القصر كان هدية من الحكومة العثمانية للباشا الفيحاني منحته إياه عام 1303هـ". لكن القصر لم يعد قصرا، وحتى عام 1997 كان المتبقى منه برجا واحدا يقابل البحر، وأخذ البرج يتساقط جزءا جزءا حتى آل إلى كومة من أحجار. وقد كان القصر شاهدا على مرحلتين وقعتا قبل وبعد انهيار عصر اللؤلؤ. ومن جهة أخرى اجتمعت فيه ملامح المعمار الخليجي في العهد العثماني بما تنطوي عليه من مظاهر الوجاهة والثراء ومتطلبات الأمن.
    كان الشيخ الفيحاني الذي ولد في البحرين عام 1260هـ وتوفي في الهند عام 1324هـ واحد من أبرز تجار اللؤلؤ في منطقة الخليج، ورغم أنه أمضى الجزء الأول من حياته في المحرّق إلا أنه ارتبط بصلات قوية بحكام البحرين والكويت والأحساء وقطر وعمان. وفي عهد السلطان عبدالحميد منحه والي الأحساء لقب الباشوية سنة 1303هـ، وهي السنة نفسها التي انتقل فيها إلى دارين، حيث اتخذها موطنا، وسكن قصره الفاره عند الميناء التاريخي بعد إعادة ترميمه وإصلاحه. وقتها كانت دارين شبه خالية من السكان، وقد اجتذب الفيحاني إلى القرية المنزوية سكانا من قطر جراء اضطرابات سياسية حدثت وقتها.
    وقد كان القصر يعكس مفهوم "القلعة" المسوّرة، ويقول المؤرخ الدرورة: إنه كان يقع فوق مرتفع صخري، وتمّ إنشاؤه على شكل شبه مستطيل منفصل عن منازل قرية دارين القديمة. وللقلعة أبواب من الجهات الأربع، ثلاث منها من جهة الجنوب مطلة على البحر، والباب الكبير هو الرئيسي وهو الأوسط. وقد استخدم الباب الغربي للنساء، أما الباب الشرقي فكان خاصا بالبرج.
    وكانت القلعة مكونة من طابقين وفي الزاوية الشرقية الجنوبية كان يقع البرج الأسطواني الذي كانت وظيفته أمنية. ويضيف الدرورة: "بعد وفاة الباشا الفيحاني انتقلت ملكية القلعة إلى ورثته الذين عاشوا فيها ردحا من الزمن ثم هجروها، لتبقى مجرد أثر مهمل".
    وفي عام 1404هـ بدأت إدارة المتاحف والآثار مع الورثة إجراءات نزع ملكية الموقع، لكن هذه الإجراءات تحوّلت مع السنوات إلى تاريخ بيروقراطي من المفاوضات والمراجعات والإجراءات المتباطئة، في الوقت الذي أخذت معالم القصر تتساقط جزءا جزءا.
    والسؤال الذي يطرحه نفسه.. هل تستمر دارين حبيسة النسيان حتى تطلق الصدف سراح آثارها صدفة تلو صدفة!

    جريدة الوطن

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 2:31 pm