تركستان

أهلا
تركستان

هذا المنتدى خاص بالتركستانيين في السعودية أو مايعرف ب البخارية و عام لجميع من هم من تركستان و غيرها من البلدان و الدول من عالمنا التركي الكبير.


    من ظلمات التكفير إلى بدايات التنوير

    شاطر

    Tengri

    المساهمات : 182
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010

    من ظلمات التكفير إلى بدايات التنوير

    مُساهمة  Tengri في الثلاثاء مارس 09, 2010 10:55 pm

    من ظلمات التكفير إلى بدايات التنوير

    الحراك الكبير الذي يشهده المجتمع السعودي، على أكثر من صعيد، منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 هيأ وقاد إلى ما تشهده الساحة السعودية اليوم من حراك فكري مدهش. فبالمقاييس السعودية، ربما يمكن وصف هذا الحراك الجديد ببداية "ثورة فكرية" على أفكار تقليدية هيمنت على الخطاب السعودي على مدى أربعة عقود تضافرت وتواطأت عبرها ظروف شديدة التعقيد تداخل فيها السياسي بالديني بالاجتماعي حتى أسست لحالة من التراجع الثقافي الشامل للمجتمع السعودي. فإلى قبل خمس سنوات، من يجرؤ أصلاً على مناقشة موضوع الاختلاط في الجامعات ومؤسسات المجتمع ومن يتخيل أن شاباً متديناً كان والده مفتياً للديار السعودية يصرح في العلن بأفكار تنويرية يؤكد فيها "حق" المرأة في قيادة السيارة ويدعو لإعادة التفكير فيما يعد اليوم ضمن "الثوابت" دينياً؟ وهناك أمثلة أخرى كثيرة ومهمة يمكن الاستشهاد بها على حيوية الحراك الفكري الراهن في السعودية. فإلى وقت قريب، من كان في السعودية وخارجها يتوقع أن يقول رئيس أحد فروع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجواز الاختلاط ويصر على رأيه ويدافع عنه بالحجة المستقاة من تراث إسلامي منفتح لكنه كان مغيباً تماماً في الخطاب الديني السعودي؟
    إن ردود الفعل الواسعة في السعودية على أطروحات شيخين سعوديين، أحمد عبدالعزيز بن باز وأحمد الغامدي، والجدل الإيجابي الذي أحدثه افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا، والمقالات الحيوية والجريئة التي تنشرها الصحافة السعودية اليوم تشكل، في مجملها، ظاهرة ثقافية إيجابية لا بد أن تؤتي أكلها وتترك أثرها الإيجابي على حراك المجتمع السعودي. إن مثل هذه الحوارات، مهما كانت جدلية، ومهما أفرزت من ردود فعل عنيفة كفتوى تكفير من يقول بجواز الاختلاط، هي شرط أساس لخروج المجتمع من "عنق الزجاجة" التي أبقته داخلها ثقافة أحادية إقصائية حاصرته طويلاً. وتلك الحوارات، بكل أوجهها، ليست من باب الترف الثقافي النخبوي، بل هي في صلب "الهم التنموي" السعودي. فكيف يمكن لمجتمع كبير، ولديه من الإمكانيات الاقتصادية والبشرية ما يؤهله للتفوق، أن ينجز وهو مقيد بأفكار وفتاوى تعيق مشاركة المرأة أو تعطل فرص الاستثمار في الاقتصاد العالمي الجديد أو تشوه علاقة المواطن بمجتمعه أو بالآخر في محيطه وخارجه؟ وكيف لنا أن نتحدث – ناهيك عن البدء – في تنمية إنسانية شاملة وقطاع واسع من أبناء وبنات المجتمع مشتت في فوضى البحث عن "الحلال" والخوف من "الحرام"؟ وهكذا يستمر الفهم الناقص لمفاهيم دينية مهمة، تؤطر علاقة الإنسان بالآخر وتسيّر وعيه ومواقفه إزاء أدوات وآليات العمل التنموي، عقبة أكيدة أمام إسهام الإنسان السعودي في مشروع التنمية الشامل. وهم محقون أولئك الذين يشددون على أن المجتمع السعودي، بطبيعته، شديد الارتباط بمفاهيم دينية تحدد وتشكل مواقفه من كل جديد حوله. فتلك الحالة نتيجة تلقائية لهذا "التكثيف" في الخطاب الديني الذي يعيش المواطن السعودي في كنفه من المهد إلى اللحد. ولهذا يصبح الإلحاح في فتح آفاق أوسع من البحث والحوار والتنوع في خطابنا الديني ضرورة بقاء تنموية عاجلة. هنا يأتي دور "الإرادة السياسية" التي تستطيع وحدها اختصار الزمن وتوفير الوقت والجهد لإخراج المجتمع من احتكار التفسير الديني، وفق رؤية أحادية ضيقة، إلى فسحة أكبر من الآراء والاجتهادات الفقهية المستنيرة كما رأينا في كتابات الشيخ أحمد عبدالعزيز بن باز وحديث الشيخ أحمد الغامدي وخطاب الشيخ عائض القرني الجديد ورؤية الدكتور سلمان العودة الحديثة. الإرادة السياسية تستطيع توفير وحماية مناخ صحي للتفكير والحوار والاختلاف والجدل. وإن أردنا اليوم الخروج من أكثر من "مأزق تنموي" فليس أمامنا سوى الاستمرار جدياً في هذا المشروع.
    أمام السعوديين اليوم "فرصة تاريخية" لفهم جديد وتفكير جديد ووعي جديد. هذه "الفرصة التاريخية" مدعومة، بكل وضوح، بإرادة سياسية ربما عبرت عن مرحلة إصلاح ثمينة يقودها ملك إصلاحي واضح جداً وعيه بخطورة "المسلمات" التقليدية التي تشكل اليوم أكبر عوائق التنمية في بلاده. فلكل مجتمع "مواقف تاريخية" تتبناها قيادته وتشكل نقلة نوعية في مسيرته التنموية. لنتذكر قصة تعليم المرأة في السعودية،إذ كانت الإرادة السياسية حاميها وعرابها. فمن المآثر الكبرى الخالدة لزعيم استثنائي، الملك فيصل بن عبدالعزيز، كان إقرار حق المرأة السعودية في التعليم النظامي في عام 1959. هذا الحق لم يدخله الملك في سياق أي لعبة سياسية، بل ارتقى به فوق مجاملة التيارات المتشددة في مجتمعه وفوق ثقافة "جبر الخواطر" في التعامل مع جبهات الرفض التقليدية داخل المجتمع. وهكذا أسهمت الإرادة السياسية في أن يختصر المجتمع السعودي عقوداً من الجدل والاختلاف والنقاش في مسألة "حق" المرأة في التعليم،فتأخير الحسم في الحقوق التنموية الحيوية يزيدها تعقيداً ويعمق الانقسام في الآراء والمواقف حولها، ناهيك عن الأضرار الخطيرة التي تلحق بالتنمية إجمالاً بسبب تأجيل الحسم السياسي "الضروري" في تلك الحقوق. ولهذا فأغلب المؤشرات اليوم في الداخل السعودي تؤكد أن الإرادة السياسية ربما دفعت بالخطوة الأخيرة في "حق" المرأة السعودية في قيادة السيارة وذلك ليس من أجل إضفاء إثارة جديدة لما يمكن تسميته بـ"ترف" فكري نخبوي ولكنه، في الواقع، لحسم مشكلة اجتماعية تنموية معقدة بأبعادها المتشابكة في مسيرة التنمية السعودية. لقد أشبعت هذه المسألة نقاشاً وجدلاً وخلافاً ولم يبق سوى "إرادة سياسية" تقرها وفقاً لضوابط أمنية صريحة قادرة على إبطال ذريعة "الخوف الأمني" على المرأة التي تقود سيارتها في المدن والقرى السعودية. فالأجهزة الأمنية اليقظة في السعودية التي انتصرت على مخططات إرهابية جهنمية قادرة على ضبط الأمن وحماية المرأة التي تقود سيارتها في المدن والقرى السعودية. إن نظرة واعية وعاقلة للتحولات التي يعيشها المجتمع السعودي والمجتمعات المحيطة به ستجعلنا ندرك أن المرأة في السعودية، لا محالة، ستقود سيارتها في المدن والقرى السعودية، وأن المسألة هي فقط مسألة وقت. إذن ليكن القرار "بيدي لا بيد عمرو"!
    إن الحراك السعودي الجديد، خاصة الخطاب الديني الجديد، مؤهل اليوم أن يدعم القرار الضروري المرتقب بإقرار حق المرأة في قيادة السيارة وحقها في توفير الأمن والحماية وهي تمارس هذا الحق. والملك المصلح الذي سيسجل له التاريخ جرأته الإصلاحية على أكثر من جبهة، لا بد أن يسجل له تاريخ التنمية الإنسانية في بلاده أنه يعمل فعلاً على إخراج مجتمعه من "ظلمات التكفير" إلى بدايات "التنوير". فهل يترجم الملك عبدالله بن عبدالعزيز ما صنعه من حراك سعودي جديد – يشبه المعجزة – ويختصر الزمن على مجتمعه بقرار صارم وحاسم يمنح المجتمع – وليس المرأة فقط – الحق في أن تقود المرأة السعودية سيارتها في بلادها؟

    سليمان الهتلان

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يوليو 28, 2017 12:50 pm