تركستان

أهلا
تركستان

هذا المنتدى خاص بالتركستانيين في السعودية أو مايعرف ب البخارية و عام لجميع من هم من تركستان و غيرها من البلدان و الدول من عالمنا التركي الكبير.


    مأساة "وسط جدة التاريخي"

    شاطر

    Tengri

    المساهمات : 182
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010

    مأساة "وسط جدة التاريخي"

    مُساهمة  Tengri في الثلاثاء مارس 09, 2010 5:51 am

    مأساة "وسط جدة التاريخي"

    وكأن بُنود مذكرة التفاهم التي وُقِّعت بين أمانة جدة وائتلاف تطوير وسط جدة، في الحفل الحاشد الذي جَرَى عصر الأربعاء 15 أكتوبر 2008، قد كُتبت بحبرٍ زائل. عدة مؤشرات وقرائن تردنا من أرض الواقع تفيد بذلك. فالائتلاف الوطني-الخليجي-اللبناني الذي أعلن عنه، ودُشنت هويته بحضور كامل أطرافه، في احتفالٍ شُبِّه حينها باحتفال الفاتحين المُظفّر، وأُعلن فيه عن "حل تاريخي" لأحياء وسط مدينة جدة التاريخي، بات يُواجه مصير التفكك والزوال!
    جموحُ الانطلاق، وما رَافَقه من تطمينات صُوِّرت حينها، كحل فريد وأخير "للكابوس" الجاثم دهوراً على تطلعات المدينة وطموحات أهاليها، بدلاً من أن تتصاعد وتيرته نحو أطر تنفيذية ويصير إلى جداول زمنية، راوَح مكانه، قبل أن يُؤثر المسؤولون عنه إجهاضه بأسلوب "القتل الرحيم"، وبعيداً عن "شوشرة" الإعلام!
    ومنذ اللحظة الأولى واجَه المشروع عقبات تنظيمية وتمويلية هائلة. لقد تمت تهيئة الرأي العام لتقبل واقع التأخير وتقلُّص سقف الطموحات المُعلن عنها، بتعليق ذلك على مشجبِ "الأزمة العالمية"، كما صرّح رئيس مجلس إدارة الشركة، غسان السليمان، الذي نَكَص في يناير من عام 2009، عن طبيعة التصريحات الأوليّة المتفائلة، مُعلنا عن "إعادة دراسة المشروع"، قبل أن يعترف فعلاً بتقلص خيارات الشركة منوهاً بأنها "ستقدّم طرحًا جديدًا لمُلاّك العقارات في 15 يناير 2009"!
    لقد سبق أن أُعلن أن نهاية 2009 ستشهد مرحلة التعاقد الأولى للتنفيذ، قبل أن يُفند الواقع تلك الوعود الظاهرية. والحقيقة أن عقبات التمويل والإقراض لم تكن سوى قمة جبل الجليد الظاهر للعيان. إن المسألة متعلقة بعدم القدرة على الالتزام بمعايير تطوير البنى التحتية الخاصة بالمنطقة التاريخية، وانعدام الجدوى الاستثمارية في خيارات "الشراكات" المطروحة بين شركة التطوير ومُلاّك البيوتات العتيقة.
    إن ذلك يُبرر انسحاب أحد أطراف تحالف تطوير شركة "وسط المدن" المسؤولة عن تطوير وسط جدة، كما يبرر في الآن نفسه تضارب وعود الأستاذ السليمان الذي أكدّ في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط، بأنه "لن يكون هناك أي تأجيل للمشروع، أكثر من فترة 6 أشهر" (الشرق الأوسط. 10 يناير 2009)، وليس من نافل القول أننا بتنا نلجُ أعتاب الشهر الثامن من بعد مهلة الستة أشهر الكاملة، دون بوادر انفراج أو تحرك جاد نحو الشروع في مرحلة التعاقد.
    بل إن المصادر المقربة تؤكد صدور (أو قرب صدور) قرار بالفصل بين شركة تطوير وسط جدة، وشركة تطوير وسط جدة التاريخي. ليلتزم التحالف المُعلن بتطوير الواجهة البحرية لبحيرة الأربعين والأراضي البيضاء المحاذية للوسط التاريخي، فيما تُترك المنطقة التاريخية (مدعاة قيام الشركة أساساً) لتواجه وحدها، من جديد، مصيرها المجهول. لقد ارتضى قادة التحالف العودة من الغنيمة بالإياب، بعد أن تناهى إلى علمهم، مُتأخراً ياللأسف، أن عملية تطوير الوسط التاريخي تستلزم تشريعات غير مطروحة للتداول، وأدوات تمويل خاصة لا تنسجم مع توجهات القطاع الخاص القائم على أسس ربحية صرفة!
    كان الراحل عبدالعزيز كامل، مهندس فكرة التطوير الطموحة، أمضى ثماني سنوات كاملة في وضع المخططات والدراسات من أجل إطلاق هذا الكيان التطويري. ثماني سنوات، أضف إليها اثنتين منذ لحظة التدشين، ستذهب سُدىً، فيما يجري واقعاً التنصل من أساس المشروع وقوامه، بفصل الشركة وتحييد مسؤولياتها لتقتصر على "محاذاة" الوسط التاريخي، ليذهب "قلبه" ولُبه، وعفو الخاطر هنا، "إلى الجحيم"!
    ولا تبدو لفظة "الجحيم" نافرة أو خارجة عن أي سياق لبق. لقد تجاسرت ألسنة "اللهب" من جديد، وقضت على المزيد من التراث العمراني الوطني الثمين، منتصف الأسبوع الماضي، لتضم إلى حصادها المتنامي، سبعة بيوتات تاريخية إضافية كانت تعترش مركز حارة المظلوم التاريخية.
    إن واقع الحرائق والهَدميات وسقوط البنايات، إنما يتعاقب طيلة ثلاثين عاماً، تقلص معه التراث العمراني التاريخي المُسجّل في المنطقة من 900 مَعلَم إلى أقل من 400 معلم في الوقت الحالي. هكذا تم تآكل أكثر من نصف تراثنا الوطني، فيما نحن مُتغافلون عيوننا ملء شواردها عن جوهر المسألة!
    إن مسؤولية الدولة، وضرورة تدخلها، أصبحت مسألة لا تهويم على وجاهتها وإلحاحها. إن جهود إنقاذ ما تبقى من آخر شاهد عمراني تراثي لعمران مُدن "حوض البحر الأحمر" - وما بين المزدوجين توصيف مهذب كان قد التقطه المهندس عبدالعزيز كامل (رحمه الله) بعناية فائقة، منعاً لتصوير المسألة وكأنها ذات طبيعة وأبعاد "مناطقيّة" صرفة، أقول، إن جهود المحافظة على عُمران جدة وتنميته لا بد أن تضاف إلى مهام القطاع العام وأن تقع في دائرة أولويّاته.
    إن تبنّي القطاع العام لمشروع يُحافظ على تراث وعمران وسط مدينة جدة التاريخي، يُشكل بكل المعايير، فرصة حضارية رائدة لتطوير وسط مدينة عريقة وتحويله إلى وسط حضاري وحيوي يوظف مكتسبات المدينة السياحية والثقافية والاقتصادية، ويُحافظ على نسيجها التراثي والتاريخي والاجتماعي من الامّحاء والخراب.
    إن ماضي المبادرات لإحياء وسط جدة ماضٍ مرير. ابتداء من الخطة التي قام بها مكتب المعماري الأسكتلندي العالمي روبرت ماثيو عام 1980، حتى مذكرة تفاهم تطوير وسط جدة الأخيرة، بكل ما تخللها من مبادرات أهلية وفردية قصدت الإحياء الجزئي، ففقدت وهجها وتاهت على محكّ الاستمرارية، لغياب ارتباطها بأي رؤية شمولية مُوحّدة.
    خلاصة الأمر: "وسط جدة التاريخي" بحاجة إلى هيئة عليا لإنقاذ ما تبقى من بنيته وهيبته، بعيداً عن مبادرات القطاع الخاص، وبعيداً عن محدودية صلاحيات أمانة المدينة ووعودها الزائفة!

    محمود صباغ

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 22, 2017 4:17 am