تركستان

أهلا
تركستان

هذا المنتدى خاص بالتركستانيين في السعودية أو مايعرف ب البخارية و عام لجميع من هم من تركستان و غيرها من البلدان و الدول من عالمنا التركي الكبير.


    قطار الموت

    شاطر

    Tengri

    المساهمات : 182
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010

    قطار الموت

    مُساهمة  Tengri في الإثنين مارس 15, 2010 3:15 am

    قطار الموت

    مع الاعتذار الشديد طبعاً لمدن الترفيه والألعاب التي تفخر بوجود مثل هذا القطار الرائع ضمن ألعابها المخصصة للأطفال والشباب، وهي تستخدم هذه التسمية غير الحقيقية بالطبع وذلك بقصد الإثارة والتشويق لدفع أولئك الصغار لدخول عالم السرعة والمغامرة والتحدي.
    كنت قد كتبت قبل عدة سنوات عن "القطار اليتيم" الذي يربط بين أهم مدينتين سعوديتين وهما الدمام والرياض، وتناولت في ذلك المقال العديد من الجوانب المتعلقة بهذا "الناقل" الحيوي الهام، والذي يُعتبر ــ أو هكذا كنت أظن ــ الأكثر راحة وأماناً. وأكدت حينها بأن هذا القطار هو الاستثناء الوحيد في حياتنا من حيث الالتزام بالدقة في المواعيد، ولكن يبدو أن البقاء على الحال من المحال، فها هو ينضم ــ بعد أن كان رمزاً للدقة ــ إلى بقية زملائه في البر والبحر والجو لتكتمل فصول المسرحية الهزلية التي تعج بمشاهد التأخير والتأجيل والإلغاء والحوادث والموت. إذاً لا شيء على الإطلاق يهتم بعنصر الوقت باعتباره طرفاً مهماً في معادلة التنمية الشاملة المستدامة، هذه المعادلة الحلم التي ننشدها منذ عقود، ولكننا لم نستطع حتى الآن لملمة أطرافها، فضلاً عن حلها ومن ثم تطبيقها.
    كنت أثق بهذا الناقل المهم وأستقله ما بين الفينة والأخرى للوصول الآمن والمريح للعاصمة الرياض، وكنت أستثمر تلك الساعات الخمس ــ وهي للأسف في ازدياد مستمر ــ في القراءة أو الكتابة أو النوم أو الثرثرة مع أحد الركاب الفضوليين.
    استخدمت هذه الوسيلة الرائعة في الكثير من دول العالم الغنية والفقيرة، الأوروبية والعربية، ولكنني أجزم وبكل صدق وشفافية بأن قطارنا "المدلل" يأتي في المرتبة الأخيرة بين كل تلك القطارات التي جربتها، وكم أتمنى أن لا يكون هذا حال كل من أجبرته الظروف للوقوع في فخ هذا الأنبوب الحديدي الذي يُطلق عليه جُزافاً القطار السعودي. وللمعلومية وليس للتباهي، فأنا لم أجرب إلا درجة "الرحاب" التي تُعتبر الأغلى والأفضل ضمن درجات هذا القطار، وتقترب في سعرها من قيمة تذكرة الطائرة من الدمام إلى الرياض. كل تلك المعاناة والمشقة ووعثاء السفر وكآبة المنقلب تحدث في درجة الرحاب، فما عساه أن يكون الوضع في باقي الدرجات الأخرى المتدنية!
    بصراحة وأمانة، القطار الوطني يفتقر للكثير من الأساسيات والخدمات، بدءا من صالة الانتظار التي تحتاج إلى تحديث وتطوير واهتمام لتواكب الكثافة العددية المطردة وتتناسب مع المكانة المرموقة التي يحتلها هذا الوطن الثري، مروراً بقلة الموظفين سواء في صالات الانتظار أو في طواقم القطارات مما يجعلهم في صدام مستمر مع الحشود الهائلة من الركاب، لاسيما في عطلة نهاية الأسبوع والإجازات الكثيرة التي نمتاز بها، وانتهاءً ــ رغم أن لا نهايات مع هذا القطار العجيب ــ بعربات القطار التي تُعتبر من كلاسيكيات القرن الماضي شكلاً وتأدية وراحة، فبمجرد أن تنزلق في ذلك الأنبوب الحديدي الطويل حتى يبدأ بالاهتزاز والتمايل والضجيج، وتلك مسلمات تُلازمك كظلك ولا تودعك إلا عند نجاتك ــ أقصد وصولك ــ سالماً إما من الكثبان الرملية أو من الجمال السائبة أو من القضبان الحديدية المهترئة أو من الاصطدام بالسيارات أو من الأخطاء المتكررة الناتجة عن السائقين غير المدربين والذين لا يختلفون عن زملائهم سائقي الحافلات، وذلك كما أخبرني أحدهم حينما أسهب في المعاناة الشديدة التي يتعرض لها المنتسبون للمؤسسة العامة للخطوط الحديدية.
    أكثر من خمس ساعات تقضيها في ذلك القطار "السريع" دون أن تحصل على الحد الأدنى من الخدمات الضرورية كالإنترنت ووسائل الترفيه البسيطة، حتى دورات المياه التي تُعد على الأصابع تبدو بحالة مزرية، وأذكر أنني سألت مرة أحد المشرفين المتجهمين كالعادة عن توفر كادر طبي للحالات الصحية الطارئة، أجاب بتهكم: هذا اللي ناقص!
    قبل 6 عقود تقريباً، وتحديداً في 20 أكتوبر من عام 1951 انطلق أول قطار من محطة الدمام باتجاه العاصمة الرياض، ومنذ ذلك العهد البعيد احتفظ هذا القطار بالكثير من تفاصيله البسيطة دون أن تطرأ عليه ولو بعض التغيرات الطفيفة التي أحدثها التقدم الهائل في هذا القطاع الحيوي على مستوى العالم، فهل يُعقل أن تستغرق الرحلة بين الدمام والرياض أكثر من خمس ساعات لقطع مسافة لا تزيد عن 400 كلم، بينما يُخبرني "منصور" وهو مبتعث من قبل أرامكو لدراسة الماجستير في شنغهاي بالصين بأنه ينتظر بشوق تجربة القطار المغناطيسي "ماغليف" لأنه لن يحتاج إلى أكثر من 26 دقيقة لقطع مسافة 270 كلم وهي المسافة التي تفصل شنغهاي عن بلدة "يادو" ذات الطبيعة الساحرة.
    خالد فلسطيني في نهاية عقده الرابع، كان يجلس بجواري في رحلة العودة للدمام والتي تحمل رقم 9896، كان يتحدث عن قدومه للسعودية وتحديداً مدينة الخبر قبل أكثر من ربع قرن قادماً من الأردن بعد أن تخرج من إحدى جامعاتها متخصصاً في المحاسبة، وذلك بعد أن ترك بلدة "طولكرم" وهو في التاسعة عشرة من عمره، تحدث عن زواجه من فتاة فلسطينية لم يرها إلا ليلة الزفاف ليبدأ معها في السعودية رحلة الكفاح، فهو يعمل مسؤولاً عن أحد المستودعات التابعة لإحدى البيوت التجارية الكبرى، تحدث عن "معن" ابنه البكر الذي تخرج قبل عام من الأردن متخصصاً في المحاسبة أيضاً وهو يعمل الآن بجواره، وتحدث بشجن ولوعة عن والديه اللذين توفيا وهو بعيد عنهما، تحدث عن فلسطين التي تسكنه للأبد، تحدث عن الكثير من تفاصيل حياته السعيدة والحزينة، وإن بدت الحزينة أكثر.
    رغم أن حديث هذا الفلسطيني الرائع دافئاً ومؤثراً، إلا أنه بدا متقطعاً وينقصه الاسترسال وذلك بسبب التمايل والاهتزاز والضجيج، كنت ألمح الخوف والقلق يرتسمان في عينيه حتى وإن بدا متماسكاً، ولكنه لم يُخف عزمه الأكيد بعدم خوض هذه التجربة مرة أخرى، ويبدو أنني كذلك.

    فاضل العماني

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة يوليو 28, 2017 12:50 pm